كريم نجيب الأغر
82
إعجاز القرآن في ما تخفيه الأرحام
ومما يجدر ذكره هنا أن المني عند المرأة يطلق عليه اسم الماء ، وذلك لأنه في نهاية الأمر سائل من السوائل كما أوضحنا سابقا ، أما ماء البويضة فلا يسمى منيا ، وذلك لأنه لا يخرج عند الشهوة ، ولكن يخرج في وقت محدد من كل شهر ( وهو اليوم الذي يأتي قبل أربعة عشر يوما من أول يوم للحيض المقبل ) ولذلك ذكر الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم في حديث أم سلمة الماء وإن كان الحديث يدور على المني أصلا « 1 » ، وامتنع في حديث الإذكار أو الإيناث عن ذكر كلمة الماء فقط بل استعمل في صياغة الحديث كلمتي ( الماء ) و ( المني ) . 2 - تفسير النقطة الثانية ( أن لمني الرجل ولمني المرأة دورا في تسهيل عملية إذكار أو إيناث الجنين ) : * قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « ماء الرجل أبيض وماء المرأة أصفر ، فإذا اجتمعا فعلا منيّ الرجل منيّ المرأة أذكرا بإذن اللّه وإذا علا منيّ المرأة منيّ الرجل آنثا بإذن اللّه » [ أخرجه مسلم ح 9 ] . إن الفعل الرئيسي في الحديث النبوي الذي يشرح عملية الإذكار أو الإيناث هو فعل « علا » . وهذا الفعل له عدة معان ، منها :
--> - وهذا الأسلوب جاء في أكثر من موضع في القرآن الكريم ، ونظيره : وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [ القصص : 73 ] ، فالليل والنهار فيهما لف ، ثمّ نشر من الكلام ما يخصّ كل واحد منهما ، حيث يرد السامع إلى كل واحد منهما ما يخصّه ، فالليل يخصه قوله تعالى : لتسكنوا فيه ، والنهار يخصه قوله تعالى : وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ . ( 1 ) قد يتساءل القارئ : لما ذا ذكر الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم لفظ « الماء » أمام أمّ سلمة وأمّ سليم رضي اللّه عنهما في الحديث « إذا رأت الماء » [ أخرجه البخاري ح 14 ] ، وقد امتنع في حديث الإذكار أو الإيناث « ماء الرجل أبيض وماء المرأة أصفر ، فإذا اجتمعا فعلا منيّ الرجل منيّ المرأة أذكرا بإذن اللّه وإذا علا مني المرأة منيّ الرجل آنثا بإذن اللّه » [ أخرجه مسلم ح 9 ] عن تسمية المني ماء ؟ ، ونقول - واللّه أعلم - : إنه في الحديث الأول يعلّم الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم أمّ سلمة وأمّ سليم رضي اللّه عنهما أحكاما شرعية لا تحتاج لدقة علمية ، بل تحتاج لبساطة في الصياغة حتى يفهمها عامة الناس ، أما في حديث الإذكار أو الإيناث فالسؤال محدد ، وفيه مجابهة بين الحق والباطل ، وتحدّ واضح من الكفار للرسول صلّى اللّه عليه وسلّم لإبراز معلومات علمية دقيقة غير مألوفة تدل على صدق نبوّته ، وهذا ما استوجب أن تكون الإجابة دقيقة وعلمية لكي يستنير بها العلماء والأجيال التي ستأتي فيما بعد ، ولكي يستيقنوا أنها تحمل في طيّاتها إعجازا علميا بالغا .